رؤية وملاحظات نقدية لرواية “بعيداً مني … قريباً من الشمس”

  • بواسطة

رؤية وملاحظات نقدية لرواية “بعيداً مني … قريباً من الشمس”

(بروفسير) أ.د. هاشم البشير

  • مقدمة:

انطلقت القاصة مها من مقولة مركزية في قناعاتها، وهي (أنّ السرد الروائي فضاء حر وممارسة منفتحة للكتابة).

وهي هنا تدعو القارئ المتلقي إلى التعامل معها بنفس الانفتاح والحرية للخروج من محددات وعناصر المدرسة الواقعية. وقد دفع هذا المنطلق الكاتبة لتجاوزات وانزياحات لغوية – أشير إليها ضمن حديثي عن البنية المنفتحة في هذه القصة.

  • عناصر البنية المنفتحة في الرواية: أولاً/ الخروج عن المفهوم الزمني الخطي التعاقبي:

الذي هو دعامة أساسية في السرد التقليدي وأساليبه المعهودة. فالزمن عند الأستاذة مها يتخذ مسارات دائرية تتغير فيه الأمكنة ولكنه يتفلت أحياناً بسبب هذه التقنية الزمنية الصعبة لأن الكاتبة اتخذت أسلوب المزج بين (تيار الوعي) والاسترجاع التلقائي والزمن الدائري الداخلي للقصة، وهذا يحتاج إلى ممارسة طويلة وقراءات عميقة جداً في علم النفس وعلم الاجتماع وعلوم اللغة.

  • إن الزمن عند الكاتبة يقوم على الجمع بين نمطين من الكتبة هما “السرد الأدبي” و”التقرير الصحفي” أو المقالة السياسية. وقد يؤدي هذا إلى انقطاعات زمنية ويبطئ الإيقاع بسبب استقلال وانفراد كل نمط عن الآخر في الأسلوب إذ يتراوح بين التوثيق والتقريرية والأسلوب الأدبي المجازي. وخلاصة القضية في الزمن عند الكاتبة أنه يتشظى وينكسر فيخرج عن التسلسل الخطي المعروف بهدف تقصده الكاتبة بأن تجعل للقصة زمناً داخلياً خاصاً بها.
    • ثانياً/ قضية تماسك الحبكة القصصية ورهان السرد:

لجأت الكاتبة “مها عبد المنعم عوض” إلى حبكة بها إيقاع وتشويق وتوقيت خاص بالقصة تجعل القارئ يحس بالواقعية ومقاربة الأحداث للواقع بسبب ان الكاتبة تريد للنص أن يكون منفتحاً وأنها تركز على الحكاية من ناحية الحالة و الزمن الديالتيكي المتبلور راسماً تطور الأحداث في اتجاه خدمة الفكرة المركزية. 

  • ثالثاً/ تعدد الأبطال:

تعددت الشخصيات الرئيسية المؤثرة في القصة، وهذا نمط جديد في كتابة القصة في زمن العولمة والانفتاح الذي تحول فيه الإنسان إلى سلعة. فالأم أرادت أن تعوض عن نقصها أمام أهل زوجها ودارت حولها شبهات تعاطي السحر واشتهرت بذلك لعلة أنها تريد أن تحمي نفسها واعتقدت في التميمة، حتى صارت التميمة في الحقيقة هي البطل المحوري في القصة.

  • رابعاً/ الحوار في هذه القصة:

من الملامح الجيدة في القصة اعتماد تقنية (الحوار) الذي يكشف عن مفاهيم الشخصيات والصراع الذي ظهر بين القديم والحديث من الأفكار والمعتقدات. إلا أن الرواية صارت متأرجحة بين هذا القديم والحديث واضطراب قناعاتها بسبب المعاناة التي يعيشها في مجتمع سكوني يسير فيه التطور ببطء شديد وتواجهه عقبات وكوابح متكلسة عبر الزمن. 

  • خامساً/ فكرة القصة:

هي رسالة إصلاحية اجتماعية لمجتمع لا تزال فيه كثير من قضايا العرق وقضايا القبيل وفاسد المعتقدات وتهيمن على عقول النساء والرجال الخرافات.

اعتمدت الكاتبة على الإشارات السياسية الصريحة ويا حبذا لو أنّها استخدمت الطريق غير المباشر لأن الأسلوب المباشر في الأدب غير محمود.

  • سادساً/ استخدام اللغة:

مازجت بين اللهجة المنطوقة واللغة المكتوبة واستخدمت اللغة الفصحى. فأرجو لو أنّها راجعت كثيراً من الأخطاء الطباعية والنحوية التي تشوه القصة.

وقد حاولت الكاتبة استخدام الرموز الموحية في بعض المضامين مثل (أبادماك)، (الأصول التركية)، (السفلي) ولكنها لم تكثر منها.

  • سابعاً/ امتازت القصة بأنّها محتشمة لم تحمل شيئاً من الحديث عن الأدب المكشوف والإشارات الجنسية التي تطفح بها كتابات المعاصرين.

اقترح على الكاتبة الممتازة الواعدة أن تتخذ أسلوباً يشبه منهج الأستاذ/ “الطيب صالح” والسودانيين الآخرين من أمثال الأستاذت/ “ليلى أبو العلا”.